فخر الدين الرازي

62

تفسير الرازي

الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم ، الذي لا ينقطع له أمد ، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن تدخل أهل الجنة الجنة . وأهل النار النار ؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة ، وما بعده فلا حد له . * ( يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ) * . اعلم أن الله تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء : أحدها : ما ذكره في هذه الآية ، وهو أنهم * ( يخادعون الله والذين آمنوا ) * فيجب أن يعلم أولاً : ما المخادعة ، ثم ثانياً : ما المراد ، بمخادعة الله ؟ وثالثاً : أنهم لماذا كانوا يخادعون الله ؟ ورابعاً : أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم ؟ . المسألة الأولى : اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة ، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل ، وأصل هذه اللفظة الإخفاء ، وسميت الخزانة المخدع ، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان . وقالوا : خدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً ، وطريق خيدع وخداع ، إذا كان مخالفاً للمقصد بحيث لا يفطن له ، ومنه المخدع . وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد ، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه ، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة ، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين ؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة ، كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة ، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده ، ومنه أخذ التدليس في الحديث ، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع ؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس . المسألة الثانية : وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى ؟ فلقائل أن يقول : إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين : الأول : أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع ، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعاً ، فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم يصح أن يخادع . الثاني : أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نافقهم مخادعة الله تعالى ، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لا بدّ من التأويل وهو من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه . قال : * ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) * ( الفتح : 10 ) وقال في عكسه * ( واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ) * ( الأنفال : 41 ) أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا